فخر الدين الرازي

71

شرح عيون الحكمة

--> للملأ حوله : « يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ » ( الشعراء 35 ) وأهل مصر أصحاب البلاد الأصليين ، لا يريد موسى عليه السلام أن يخرجهم من أرضهم . ولا أي انسان غالب يفكر في اجلاء السكان الأصليين عن أرضهم . لأنه ان أجلى شعبا عظيما من وطنه ، فأين يقيم لا ومن يزرع الأرض ويعمرها ؟ وكل ما يطمع فيه الغالب هو ان يأخذ جزية من أهل الأرض المغلوبة ، ويضمن تبعيتهم له إذا داهمه عدو . فقول فرعون عن موسى عليه السلام : « يريد أن يخرجكم من أرضكم » التي أخذتموها عنوة ، يدل على أن فرعون كان من الغزاة الفاتحين ، وليس من المصريين أهل الأرض . وهذا المعنى تكرر في القرآن ، فقد جاء في سورة الأعراف أن فرعون قال للسحرة : « آمنتم به قبل أن آذن لكم ؟ ان هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها » ولقد خاف فرعون وملؤه - الذين أتوا معه - من بني إسرائيل أن يطردوهم من مصر ، ويكون الحكم فيها لبنى إسرائيل وحدهم . ولذلك قالوا لموسى : « أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ، وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ » ( يونس 78 ) وذلك لأنهم ظنوا أن موسى يريد ملكا كشأن الملوك المستبدين . ولم يفهموا أنه يريد دينا سماويا نورا وهدى للناس . « سراج لرجلى كلامك ، ونور لسبيلى » ( مزمور 119 : 105 ) . وفي التوراة أن الفرعون الذي ولد موسى في عهده ، هو غير الفرعون الذي أخرج موسى بني إسرائيل في عهده . ففي سفر الخروج . وحدث في تلك الأيام الكثيرة أن ملك مصر مات ، وننهد بنو إسرائيل من العبودية وصرخوا » - « وكان موسى ابن ثمانية سنة ، وهارون ابن ثلاث وثمانين سنة حين كلما فرعون » وفي القرآن الكريم كلام يفهم منه أن فرعون لم ينجب ولدا . ومن ييأس من الانجاب لا بد وأن يكون قد بلغ سن الكبر . فإذا فرضنا أن عمر الفرعون حين أخذه موسى للتربية خمسون عاما ، وأن موسى خرج من مصر بعد ما بلغ أشده واستوى ، وبعد قتل المصري في سن الثلاثين فرضا وأنه عاش في ارض مدين عشر سنوات . فان العقل يدل على أن الفرعون الذي كلمه موسى بأنه رسول رب العالمين هو غير الفرعون الذي رباه . ففي سورة القصص : « وقالت امرأة فرعون : قرة عين لي ولك . لا تقتلوه . عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا » وفي سورة القصص أن فرعون وهامان وجنودهما فقط هم الذين